تحليل طبيعة التخيل: هل هو ابتكار جديد أم استعادة لصور سابقة؟ .
| الفرق بين الادراك وقوة التخيل |
الإدراك هو مرآة تعكس لنا
العالم الخارجي كما هو، والذاكرة هي آلة الزمن التي تعيد لنا صور الماضي، أما
الخيال فهو بوابة العبور إلى عالم جديد، عالم لا يخضع لقوانين الواقع، عالم من
الأفكار والإمكانات. فالخيال هو قدرة الإنسان على خلق صور
وأفكار جديدة، لا وجود لها في الواقع. وهو قدرة فطرية عند الإنسان، تتطور وتنمو مع
نموه.
وطبيعة الخيال هي مسألة معقدة، وقد
أثارت جدلاً طويلاً بين الفلاسفة وعلماء النفس. فهناك من يرى أن الخيال هو مجرد
استعادة مخففة لصور سبق أن أدركها الإنسان في الماضي، وهناك من يرى أنه عملية
ابتكار وخلق لصور جديدة.
وحيث تنتهي الحقيقة يبدأ الخيال.
فالواقع محدود ومقيد بقوانين الطبيعة، أما الخيال فهو بلا حدود، ولا يخضع لأي
قيود. لذلك فهو مصدر للإبداع والابتكار، وقوة دافعة للتغيير.
وأهمية الخيال تكمن في دوره في الحياة
النفسية والعقلية للإنسان. فهو يساعده على فهم العالم من حوله، وحل المشكلات،
وتحقيق أهدافه.
فكيف يمكن تمييز الخيال عن الادراك
الحسي؟
الإدراك الحسي هو عملية عقلية تلقائية،
تعتمد على الحواس، أما الخيال فهو عملية نشطة، تتطلب بذل جهد من العقل. كما أن الادراك الحسي يرتبط بالواقع،
أما الخيال فهو يتجاوز الواقع.
فالخيال هو ملكة عظيمة،
تمنح الإنسان القدرة على الطيران فوق حدود الواقع، وخلق عالم جديد من الأفكار والإمكانات.
النظرية التجريبية للخيال
يرى التجريبيون أن الخيال
هو عملية ذهنية تعتمد على الإدراك الحسي. فهم يعتقدون أن جميع الأفكار هي صور للتجارب الحسية التي مر بها الإنسان في
الماضي، وأن الخيال هو عملية استعادة هذه الصور، ولكن بدرجة أقل من الوضوح.
يمكن تلخيص النظرية
التجريبية للخيال في النقاط التالية:
·
الخيال هو استعادة للصور الحسية السابقة.
·
هذه الصور هي صور باهتة وأقل وضوحا من
الصور الحسية الأصلية.
·
الخيال عملية مادية مرتبطة بالواقع
الحسي.
يقدم التجريبيون أدلة على
وجهة نظرهم من خلال ملاحظة الأطفال المكفوفين والصم منذ الولادة. هؤلاء الأطفال لا يستطيعون تصور الألوان
أو الأصوات لأن لديهم خبرة حسية محدودة.
يتفق رأي التجريبيون مع
رأي الفيلسوف الفرنسي ألان الذي يرى أن الخيال هو وهم. فهو يعتقد أن الإنسان لا يستطيع أن يتخيل أي شيء، وإنما هو يتخيل فقط أنه
يتخيل.
ويمكن أن نجد أمثلة على
الخيال في ضوء النظرية التجريبية في العديد من الأنشطة البشرية، مثل:
الرسم : فالرسام يعتمد على خبرته الحسية في رسم الصور، ولكنه قد يضيف إلى هذه الصور
عناصر خيالية.
نقد النظرية التجريبية للخيال
يرى النقاد أن النظرية
التجريبية للخيال لا تفسر العديد من الجوانب الهامة للخيال، ومنها:
·
الفرق بين التذكر والتخيل: فالتذكر هو عملية استحضار الصور الحسية
السابقة، بينما الخيال هو عملية خلق صور جديدة.
·
الفرق بين الخيال والإدراك الحسي: فالادراك الحسي يعتمد على الحواس، بينما
الخيال لا يعتمد على الحواس.
الفرق بين التذكر والتخيل
يمكن تلخيص الفرق بين
التذكر والتخيل في النقاط التالية:
·
التذكر:
ü
مرتبط بالماضي.
ü
مواضيعه واقعية.
ü
يتحكم فيه الوعي.
·
الخيال:
ü
منفتح على المستقبل.
ü
مواضيعه قد تكون خيالية.
ü
يتحكم فيه اللاوعي.
الفرق بين الخيال والإدراك الحسي
يمكن تلخيص الفرق بين
الخيال والإدراك الحسي في النقاط التالية:
·
الإدراك الحسي:
ü
يعتمد على الحواس.
ü
مواضيعه مستمدة من العالم المادي.
·
الخيال:
ü
لا يعتمد على الحواس.
ü
مواضيعه قد لا تكون مستمدة من العالم
المادي.
انتقادات أخرى
إضافة إلى الفرق بين
التذكر والتخيل والإدراك الحسي، يوجه النقاد للنظرية التجريبية للخيال انتقادات
أخرى، منها:
§
أنها لا تفسر الخيال الإبداعي: فالخيال الإبداعي لا يقتصر على مجرد
استعادة الصور الحسية السابقة، وإنما هو عملية ابتكار وخلق لصور جديدة.
§
أنها لا تفسر الخيال العلمي: فالخيال العلمي يتناول أشياء لا يمكن
تصورها في الواقع الحسي.
وهكذا، بالرغم من أهمية
النظرية التجريبية في تفسير الخيال ، ولكنها ليست كافية لتفسير جميع جوانب الخيال.
النظرية الظواهرية للخيال
يرى الفيلسوف الألماني
إدموند هوسرل أن الوعي ليس خزانًا للصور، وإنما هو حركة تقصد غيرها. وهذا يعني أن الوعي هو دائمًا وعي بشيء
ما. فالتخيل هو تخيل لموضوع ما، بغض النظر
عن موضوع التخيل. فليس هناك صورة تخيلية، وإنما هناك وعي
متخيل قادر على التوجه نحو موضوع خارجه.
وهذا ما يؤكده الفيلسوف
الفرنسي جان بول سارتر. فالتخيل هو تصور للشيء بوصفه عدمًا. أي أن ننتخيل الشيء بوصفه غير موجود
أمامنا، بوصفه عدمًا. فمثلًا، إذا طلبنا من شخصين أن يتخيلا
مركبًا يغيب في البحر، فقد يقدم كل واحد منهما صورة مختلفة لهذا المركب. وهذا ما يؤكد أن عملية التخيل هي توجه
من الذات الواعية نحو موضوع خارجها.
ويرى الفيلسوف الفرنسي
غاستون باشلار أن التخيل هو "ملكة تغيير الصور التي يقدمها الإدراك الحسي". وهذا يعني أن التخيل لا يقتصر على مجرد
استعادة الصور الحسية السابقة، وإنما هو عملية ابتكار وخلق لصور جديدة.
وهكذا، يمكننا أن نستنتج
من النظرية الظواهرية أن الخيال هو:
·
عملية نفسية تتجاوز الواقع الحسي.
·
عملية إبداعية تسمح للإنسان بخلق صور
جديدة.
·
عملية فاعلة تجعل الإنسان كائنًا مبدعًا
ومحركًا في هذا الوجود.
خلاصة توليفية لطبيعة التخيل ودوره في الحياة الإنسانية
تتمثل طبيعة الخيال في قدرته على خلق
صور وأفكار جديدة، لا وجود لها في الواقع. وقد كان هناك نظريتان رئيسيتان حول الخيال، هما النظرية التجريبية والنظرية
الظواهرية. فالتجريبيون يرون أن الخيال هو عملية
ذهنية تعتمد على الإدراك الحسي. فهم يعتقدون أن جميع الأفكار هي صور
للتجارب الحسية التي مر بها الإنسان في الماضي، وأن الخيال هو عملية استعادة هذه
الصور، ولكن بدرجة أقل من الوضوح. أما الظواهريون فيرون أن الخيال هو
عملية نفسية تتجاوز الواقع الحسي. فهم يعتقدون أن الخيال هو عملية إبداعية
تسمح للإنسان بخلق صور جديدة.
والنظرية التجريبية قدمت تفسيرا مغايرا
للخيال لما قدمته النظرية الظواهرية في عدة جوانب، أهمها:
ü
طبيعة الخيال: يرى التجريبيون أن الخيال هو عملية استعادة للصور الحسية السابقة، بينما يرى
الظواهريون أن الخيال هو عملية إبداعية تسمح للإنسان بخلق صور جديدة.
ü
علاقة الخيال بالواقع: يرى التجريبيون أن الخيال مرتبط
بالواقع، بينما يرى الظواهريون أن الخيال يتجاوز الواقع.
وبناءً على ذلك، يمكن القول أن الخيال
هو:
ü
عملية نفسية معقدة، تتضمن عناصر من
التذكر والإدراك الحسي والابتكار.
ü
يمكن أن يكون خيالًا واقعيًا، يعتمد على
الخبرات الحسية السابقة، أو خيالًا غير واقعي، يتجاوز الواقع.
ü
يلعب دورًا مهمًا في الحياة الإنسانية،
فهو يساهم في الإبداع والابتكار، ويساعد الإنسان على فهم العالم من حوله، وحل
المشكلات، وتحقيق أهدافه.
وأهمية الخيال في الحياة الإنسانية تكمن
في عدة جوانب، منها:
·
الحياة الفكرية: يساعد الخيال الإنسان على التفكير الإبداعي، وطرح الأفكار الجديدة، وحل
المشكلات.
·
الحياة العلمية: يساعد الخيال العلماء على تصور النظريات العلمية الجديدة، وإجراء التجارب،
واكتشاف الحقائق.
·
الحياة المهنية: يساعد الخيال المهنيين على ابتكار حلول جديدة، وتطوير منتجات وخدمات جديدة.
·
الحياة العملية: يساعد الخيال الإنسان على حل المشكلات اليومية، وتحقيق أهدافه.
وهكذا، فإن الخيال هو ملكة عظيمة، تمنح
الإنسان القدرة على الطيران فوق حدود الواقع، وخلق عالم جديد من الأفكار
والإمكانات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق