خلود النفس في فلسفة اخوان الصفا



خلود النفس في فلسفة اخوان الصفا


خلود النفس في فلسفة إخوان الصفا

يربط اخوان الصفا  بين الإنسان والخالق عن طريق نظرية الفيض العقلي؛ حيث أول ما فاض عن الخالق العقلُ الكلي المستكمل الفضائل، وموضع كلمة الله التي بها خلق الأشياء، ويرون أن العقل جوهر روحاني به جميعُ صور الموجودات، وعن طريق هذا العقل الكلي فاضت النفسُ الكلية، ويرون أن نسبة العقل إلى الخالق كنسبة نور الشمس إلى الشمس، أما نسبة النفس إلى العقل فكنسبة ضوء القمر من الشمس...

وهكذا فان مصدر النفس سماوي ولذلك هم يرون ان " النفس جوهرة روحانية نورانية ، حية ، علامة فعالة بالطبع،  حساسة دراكة لا تموت ولا تفنى،  بل تبقى مؤبدة،  اما ملتذة ، واما مؤتلمة ". 

اذا برأي اخوان الصفا الانسان مؤلف من جوهرين متباينين في الصفات : الجسد ذو طبيعة مادية ، ونفس ذات طبيعة نورانية روحانية . ولذا تتنازع الانسان نزعتان: نزعة من الجسد تريد البقاء في عالم المادة اي الدنيا ، ونزعة الروح التي تطلب الدار الآخرة. ولهذا فإن أعمال الانسان متضادة (الخير والشر). وهكذا يقسمون الانفس الى نوعان: أنفس المؤمنين اصحاب الاعمال الخيرة ، وانفس الكفار والفساق والاشرار الذي عكفوا طوال حياتهم الدنيا على عمل افعال الشر.

وتعود النفوس الفردية الى النفس الكلية  مطهّرة بعد الموت، كما ترجع النفس الكلية إلى الله ثانيةً يوم المعاد. والموت، عند إخوان الصّفاء، يُسمّى البعث الأصغر؛ بينما تُسمّى عودة النفس الكليّة إلى بارئها البعث الأكبر.

اذا يعتقد إخوان الصفا بخلود النفس. وقد قدموا أدلة على ذلك:

مصدر النفس السماوي:

ينطلق إخوان الصفا بتقرير خلود النفس إذا من اعتبارهم أنها من مصدر سماوي؛ فهم يتبنون نظرية الفيض وفيها ان النفس فيض من العالم السماوي. لهذا فان النفس تتبع في مصيرها مصير المصدر: العالم النوراني السماوي الذي لا يقبل الفساد ولا التغير كما تقبلها الأجسام المادية. وبالتالي فان مصير الأنفس العودة الى مصدرها ينبوع وجودها.

دليل اللذة والالم: 

يعرفون اللذة الجسمانية بالراحة التي تشعر بها الكائنات ذات الأجساد المادية عند زوال الألم. ولكن في حالة الانسان فان نفسه تطلب هذه اللذات مرتين: الأولى تطلب تحققها المادي بمباشرة الحواس ومرة ثانية عند تذكرها إياها. وهي هنا تجد لذة رغم غياب المحسوسات وسبب اللذة ومصدره أيضا وبالتالي فان للنفس لذة تجدها بعد مفارقة البدن وهذا ما يؤكد بقاؤها بعد الموت.

دليل البقاء والفناء:

النفوس في هذه الدنيا بحال نقص، وفي الآخرة بحال تمام وكمال، والبقاء على حال التمام والكمال اشرف وأفضل. وهكذا فان النفوس مجبولة على حب البقاء السرمدي على أتم الحالات وأكمل الغايات. لذا فالنفس خالدة بعد الموت.

بكاء الناس على موتاهم بعد الموت: 

يذكر اخوان الصفا هذا الدليل للبرهنة على خلود النفس فمن يبكي على فقيده بعد أن مات فانه لا يبكي على جسده الذي توقف عن الحركة وغابت عنه مظاهر الحياة إنما يبكي على روحه التي فارقت هذا الجسد.

المعاد والبعث بعد الموت : 

يعتبر اخوان الصفا وجود النفس في الجسد يشقيها ويتعبها وهي لن ترتاح الا بعد مفارقتها له ولهذا فان المعاد هو المجال الوحيد الذي يريح النفس من رحلتها في عالم المادة ورد في احدى رسائلهم: " ثم اعلم أن النفس ما دامت مع هذا الجسد إلى الوقت المعلوم فإنها متعوبة بكثرة غمومها لإصلاح أمر هذا الجسد، شقية بشدة عنايتها فيما تتكلف من الأعمال الشاقة، والصنائع المتعبة لاكتساب المال والمتاع والأثاث، وما يحتاج إليه الإنسان في طول حياته الدنيا ... ثم اعلم أن النفس ما دامت مربوطة بالجسد، لا راحة لها دون مفارقتها هذا الجسد ... فإذاً الموت حكمة ورحمة ونعمة لنفوس الأخيار بعد بوار الأجساد " .

وهكذا، إن فكاك النفس من أسر العالم المادي وسجن الجسد، لن يكون لها إلا بمعرفتها لأصلها، وفي صحوها من حالة الجهل والنسيان التي آلت إليها عقب ارتباطها بالجسد، والتي يدعوها الإخوان بنوم الغفلة ورقدة الجهالة.

فالنفس العارفة ترتقي عبر المراتب الروحية صعوداً إلى أعلى رتبة إنسانية تهيئها للانعتاق النهائي بعد الموت. 

ولكن الانعتاق الحقيقي، يتحقق لها قبل ذلك في لحظة الصحو والانتباه التي تكشف البصيرة. والبعث، على ما يقول الإخوان، هو انتباه النفوس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، والقيامة هي قيامة النفس من قبرها وهو الجسد، أما الجسد فيسقط ولا يقوم أبداً.

إن النفوس العارفة التي فارقت أجسادها بالموت، لن تُرد إليها إثر قيامة عامة للأموات، وإنما تبقى سعيدة ملتذة حرة في عالم الأفلاك، أما النفوس غير العارفة فتبقى بعد مفارقة أجسادها حبيسة في العالم المادي الأسفل. فهاتان هما الجنة والنار اللتان تدومان ما دامت السماء والأرض، فإذا حان وقت دمار العالم انسحبت منه النفس الكلية فبطلت حركته وآل إلى الفناء، وحُشرت النفوس الجزئية: أي اجتمعت بالنفس الكلية واتحدت معها، والنفس الكلية تلتحق بالعقل الكلي الذي يلتحق ببارئه عز وجل.

إن المهمة الملقاة على عاتق الإنسان الذي انفتحت بصيرته على الحقائق، هي الكدح في سبيل تنقية نفسه وتطهيرها من أجل تحضيرها للانعتاق، وفي الوقت نفسه مد يد العون إلى النفوس الجاهلة والأخذ بيدها على طريق المعرفة. وهو إذ يبدأ بفهم الشريعة وتطبيقها والالتزام بما ورد فيها من أوامر ونواهٍ، عليه أن يدرك أنَّ الشريعة وحدها لا تحقق الانعتاق، وأنه لا بد من اقترانها بالجهد المعرفي الذي يحوّل النفس الغافلة إلى نفس منتبهة.

وان معرفة امر المعاد مرتبط بمعرفة حقيقة النفس تلك؛ بحيث ان اهم الامور الآيلة الى معرفة مصيرها هو ان تعرف النفس حقيقة ذاتها...

ومعرفة الآخرة والمعاد والمعاد الروحاني من اشرف العلوم وهذه المعرفة محجوبة عن ابليس وعن اهل التقليد..

 

والإخوان يُشَبِّهون المدة التي تقضيها النفس الجزئية في العالم بتلك المدة التي يقضيها الجنين في الرحم؛ فكما أن الجنين لا يستطيع الانتفاع بالحياة إلا بعد بقائه المدة الكافية في الرحم لاستكمال الخِلْقَة وتتميم الأعضاء، كذلك هو حال الإنسان الذي يتوجب عليه قضاء المدة اللازمة في هذا العالم من أجل التعلم والتبصر والارتقاء، ومن ثم الانتفاع بالحياة الثانية.

أقسام الناس في السعادة:

يقسم اخوان الصفا الناس الى اربعة اصناف مرتكزين على تميزهم بين نوعين من السعادة يمكن للبشر ان يبلغوها : سعادة دنيوية وسعادة أخروية. السعادة الدنيوية هي أن يبقى كل موجود بدنه على أفضل حالاته وأتم غاياته، أما السعادة الأخروية فهي أن تبقى كل نفس إلى أبد الآبدين على أفضل حالاتها وأتم غاياتها.

 وهكذا فان الناس منقسمون بحسب السعادة الى : 

-  سعداء الدنيا والآخرة، وهم الذين وفّوا حظهم في الدنيا في المال والمتاع والصحة، فاقتصروا منها على الكفاف، ورضوا بالقليل وقنعوا به، وقدموا الفضل إلى الآخرة ذخيرة لهم.

- سعداء في الدنيا أشقياء في الآخرة، وهم الذين وفّوا حظهم من متاع الدنيا فتمتعوا وتكاثروا، ولم ينقادوا للدين، وتعدوا حدوده.

- أشقياء في الدنيا سعداء في الآخرة، وهم الذين طالت أعمارهم فيها، وكثرت مصائبهم، واتبعوا أوامر الدين، ولم يتعدوا حدوده.

- أشقياء في الدنيا والآخرة، وهم الذين بخسوا حظهم من الدنيا، وشقوا في طلبها، ولم ينالوا خيرًا منها، ثم لم يتبعوا الدين، وتجاوزوا حدوده.

ولا يخلو أحد من الناس أن يكون داخلاً في أحد تلك الأقسام الأربعة من الشقاوة والسعادة.



لمتابعة الشرح إضغط على الرابط:




"غرضنا في جميع ما نستقريه ونتفحصه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده طلب الحق لا الميل مع الآراء" ابن الهيثم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق