الوضعية المشكلة واستخداماتها في تعليم الفلسفة
كيف يمكن اعتبار التخيل استشرافا لما هو آتٍ بغيةَ إبداع صورٍ لما هو واقع ؟
·
عرض وضعية مشكلة :
في
رواية الأديب العالمي (سيرفانتس)[1]
المعروفة بـ (دون كيشوت) ،[2]
يصوّر لنا كيف أن بطل الرواية قرأ حياة الفرسان في القرون الوسطى وتخيّل نفسه فارسا مثلهم فأراد أن يعيش
حياتهم في الحاضر ، وأراد أن يتخيل ما كانت عليه . يقول : " ..انكبّ نبيلنا
(دون كيشوت) انكبابا شديدا على قراءة كتب الفروسية في القرون الوسطى ، ولفرط ما
قرأ جفّ دماغه ، وفقد قدرته على التمييز ، امتلأ خياله بالقصص الفارغة التي قرأها
، وانطبع في عقله كل ما قرأه في هذه الروايات حتى خُيّل إليه أنه ليس في العالم
قصة أكثر واقعية منه ، واضطرب عقله ،
وداعبت خياله أغرب فكرة تصورها مجنون حتى خُيّل إليه أن أفضل ما يمكن تقديمه
كمحارب لأهله ولمجده ، هو أن يصبح فارسا جوّالا ليزيل جميع أنواع المظالم . وتخيّل
هذا الفارس المسكين نفسه وقد تُوّج ملكا بقوة ساعده ! وسط هذه الخواطر السارّة
التي ملأته بالآمال لم يفكر إلا في شيء واحد ؛ هو أن ينفّذ ما تمنّاه بكل ما يملك من حماسة وبأسرع وقت ممكن ، وأوّل
ما فعله هو صقل السلاح القديم الذي ورثه بعد أن أكله الصدأ ، ثم فكر في حصانه ،
ومع أنه لم يبق منه إلا الجلد والعظام ، إلا أنه بدا له في حالة حسنة جداً "
! [3]
- تحليل الوضعية المشكلة :
تنازعت (دون كيشوت) ثلاث نوازع نفسية لم
يستطع أن يغلّب إحداها على بقيتها :
* تأثره بما قرأه من ماضي أولئك الفرسان الحافل بالبطولات والأمجاد
؛ فكان في ذلك مشدوداً إلى ذاكرته شدّاً لا يُقاوم إلى حدّ الافتتان ؛ وهو ما
أوقعه في مرض تقديس الماضي .
*
إدراكه أن واقعه الشخصي ، فضلا عن واقعه الاجتماعي ، في حاجة إلى إحياء تلك
البطولات كحاجة حيوية لا تُقاوم أيضا ، خاصة وقد تدهورت تلك القيم في عصره كثيراً
.
*
لكنه لاحظ ، من جهة ثالثة ، افتقاره إلى الوسائل الكفيلة بإرضاء هذه الحاجة ؛ فلم
يبق أمامه سوى التّوسل بالخيال الجامح لعلّه بذلك يحقق مبتغاه رمزياً، فيعالج
اضطرابه النفسي .
ومن
وحي ذلك نتساءل : ما هي طبيعة التخيل ؟ وهل كلّه من هذا الضرب ؟ ألا يساهم -
بالرغم من بعده عن الواقع- في استشراف ما وراء هذا الواقع وصناعة صوره الإبداعية ؟
[1]- (Sirventès
1547- 1616) أديب إسباني شهير، أسر بالجزائر وأطلق سراحه مقابل فدية.
[2]- (Don Quichotte) .
[3]- سيرفانتس ، دون كيشوت ،
ترجمة / صباح الجهيم ، دار الفكر اللبناني ، ص ، 8،9،10،11 بتصرف. وهكذا يبدأ دون كيشوت مغامرته
التوهمية في البحث عن العدو الذي قرأ عنه في الكتب ؛ والرواية كلها رموز لذلك
التوهم ، ولكنها مع ذلك تبقى نموذجا خالدا لإبداعية الخيال الفني الإنساني
.
لمزيد من التفاصيل حول استخدام الوضعية في شرح المسألة اضغط على الرابط:
الجزء الأول:


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق