![]() |
| العلاقة بين العلم والفلسفة |
مع ظهور الفيزياء الغاليلية، بدأت فروع معرفية
جديدة تظهر في الأفق مستقلة عن الفلسفة. وهكذا فمع استقلال الفيزياء وبقية العلوم
الدقيقة ثم العلوم الإنسانية فيما بعد، ظهرت مشكلات ابستيمولوجية حول طبيعة
العلاقة بين الفلسفة كخطاب عقلاني تأملي يبحث في أصل العلل الأولى للوجود والطبيعة
والإنسان وبين العلم كخطاب موضوعي يستند على الملاحظة والتجربة والقياس ويسعى إلى
تفسير العلاقات الموجودة بين الظواهر فضلا عن بناء القوانين المتحكمة فيها. مما
يجعلنا نتساءل عن طبيعة العلاقة بين هذين الفرعين المعرفيين: فهل العلاقة بين
الفلسفة والعلم علاقة اتصال واستمرارية؟ أم علاقة انفصال وقطيعة؟ وهل ينذر التقدم
المذهل للعلوم بنهاية الفلسفة وموتها؟
إشكالية العلاقة بين العلم والفلسفة
طبيعة العلم وتاريخه:
العلم
هو نشاط بشري قصدي منظم لمعرفة ظواهر الطبيعة والانسان ومحيطه، وتفسير تلك
الظواهر، بهدف انتفاع الانسان منها. والعلم أو المعرفة العلمية هو معرفة موضوعية،
وضعية، منظمة، كمية، يمكن قياسها،
تقوم على منهج أومناهج، وقابل للاختبار أو التجربة.
لا
يختلف العلم عن أنواع المعرفة ( السحر، المعرفة الصوفية...) لا في الموضوعات ولا
أحيانا في النتائج، وانما يتميز عنها بالمنهج العلمي. ولذلك قيل العلم هو
المنهج. وفلاسفة العلم يهتمون بكيفية استخدامنا للمنهج وتطبيقنا له. كما
يميزون بين النشاط النظري والنشاط العملي للعلم، بحيث يهدف الى
توسيع دائرة فهم الانسان ومعرفته ( الشق النظري ) ويتحول الى نتائج عملية تخدم
الانسان أو لا تخدمه ( الشق العملي ).
تمايز
في الموضوع والمنهج والنتائج:
الفلسفة |
العلم |
|
الموضوع:
ان موضوع الفلسفة يتسم
بالشمول والكلية فهي تدرس الوجود ولواحقه الزمان والمكان، الكم
والكيف، كما تبحث
في العلل الأولى لهذا الوجود‘ كما تبحث عن المثل العليا ( فلسفة القيم ). كما تبحث عن
الحكمة انطلاقا من
اعتراف ارادي بعدم كفاية ما نملكه من حقائق، كما أنها
تبحث عن اجابة أكثر من العثور على اجابة. |
الموضوع: دراسة الجزئيات المحسوسة، ووصف الوقائع: قانون نيوتن، فهو يبحث بمسألة الجاذبية كما
تظهر أمامنا من خلال مشاهدة حركة الأجسام
الساقطة. |
|
المنهج:
تستخدم المنطق: تحليل،
تركيب، استقراء، استدلال، برهان، قياس… مناهج الاستنباط العقلي والحدس. |
المنهج: يعتمد على التجربة والاختبار، لذلك هناك مناهج
بحسب عدد العلوم. |
|
النتائج:
فرضيات، تعميمات أقرب
الى وجهات النظر وغالبا ما
تكون غامضة، فردية لأنها تعبر عن قناعة صاحبها. |
النتائج:وصفا وتجريدا للواقعة، ويصبح حقيقة متفق عليها،
وواضحة، عامة وموضوعية. |
لمتابعة شرح التمايز بين العلم والفلسفة اضغط على الرابط:
التكامل بين العلم والفلسفة:
قبل اي بحث او نقاش في
موضوع العلاقة بين العلم والفلسفة، يجب الانطلاق من المقولة التالية: "
الفلسفة ليست بديلا للعلم أو مناقشة له. كما أن محاسبة الفلسفة من موقع العلم
ومعاييره تنم عن جهل بحقيقة الفلسفة ووظيفتها".
فالفلسفة معرفة ايجابية تضيف
شيئا الى العالم هي تضيف مغزى وقيمة وعلة. وهي مرتبطة بالعلم كثيرا، فلا يمكن
للفيلسوف أن يضع تصورات عامة عن الكون ان لم يكن قد درس أول الأمر بعناية
المدلولات والنتائج النهائية التي تقدمها الأبحاث العلمية عن العلم. فالفلسفة ليس
في مقدورها أن توصلنا وحدها الى معرفة يقينية عن الكون باستنادها الى هذه المبادىء
والتي تختبرها. فهي عاجزة عن امدادنا بتفسير حقيقي للواقع الطبيعي لأن هذا التفسير
هو من وظيفة العلم التجريبي. الا أن الفلسفة تضفي على هذه المعرفة العلمية
وضوحا ومغزى ومعقولية. هي انتصار للمثالي على الواقعي والروحي على المادي،
والحرية على الضرورة الطبيعية، والذات على الموضوع، والشخصي على العام. في كل
ثنائية من هذه الثنائيات، نضع الفلسفة وحقيقتها في الطرف الأول، ونضع العلم
وحقيقته في الطرف الثاني. وقد قيل في هذا الاطار: " ان خير أمارة للروح
الفلسفية أن يهوى المرء شتى العلوم". مما يؤكد وثاقة الصلة بين الفلسفة
وبقية العلوم، اذ لا بد للفلاسفة من متابعة جهود العلماء.
لذلك لا يمكن للعلماء أن
يتجاهلوا الفلسفة و مباحثها ومشكلاتها تجاهلا تاما. ويرى لوي دوبروي أن
العلم مضطر الى أن يقيم في مجال نظرياته مفاهيم ذات صبغة ميتافيزيقية،
كالزمان والمكان والموضوعية والعلية والفردية…وعلى الرغم من أن العلم يحاول أن
يحدد تلك المفاهيم دون التورط في أية مناقشة فلسفية. أما وايتهد فيرى أن من
شأن الفلسفة والعلم أن يتبادلا النقد، وأن يمد كل منها الآخر بالمواد
الخصبة التي تسمح له بالتقدم. وعلى حين أن المذهب الفلسفي يقوم بمهمة توضيح
الحقيقة الملموسة التي يمررها العلم، تجيء العلوم فتتخذ مبادئها من تلك الوقائع التي
يقدمها المذهب الفلسفي. فدراسة الأجزاء التي يتكون منها الانسان لا تعطينا فكرة عن
حقيقته. فالفلسفة والعلم يبحثان معاً عن المعرفة. الا أن المعرفة التي
يقدمها العلم لا تكتفي بها الفلسفة، لأنها تريدها شاملة عن الكون ككل وتفسير
معناها وقيمتها. وهذا برود يقول: " ان الفلسفة تتناول نتائج العلوم
الجزئية المختلفة‘ ثم تضم اليها نتائج الخبرات الدينية و الأخلاقية للجنس البشري
ثم تجعل من ذلك كله موضوعا لتفكيرها، على أمل أن تصل من ذلك الى بعض النتائج حول
طبيعة الكون ومركزنا فيه".
والعلم لا يناقش الأسس
أو البديهيات التي يبنى عليها العلم نفسه أو انعكاساته المعرفية والاجتماعية
والثقافية فهذا من اختصاص الفلسفة، بحيث ان قضاياها ( الوجود، الانسان، القيم )
أكثر عمومية و شمولية من أن يتناولها علم بعينه. كما أن العلم غير معني باي موقف
من المواقف التي يتخذها الفيلسوف من قضايا التطور والمجتمع والمستقبل. فأسئلة
المعنى والقيمة أسئلة فلسفية. انها مهمة الفلسفة النقدية. وقد أصبحت الحاجة الى
مثل هذه الأبحاث خصوصا بعد التطور التكنولوجي مثل ( اسلحة الدمار… والاستنساخ…)
فالتقدم العلمي يقدم باستمرار مادة مثيرة للنقاش والجدل والنقد المتبادل.
وبحسب وايتهد: " هناك مشروعية للفلسفة والعلم معاً، وفي وسع كل منهما
ان يعين الآخر".
لمتابعة شرح التكامل بين العلم والفلسفة اضغط على الرابط:
ما هو موقع الفلسفة في المجتمعات والعلوم الحديثة والمعاصرة؟
امام التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية
التي طرأت على المجتمع الغربي في القرن العشرين قد أسهم الى حد كبير في اعلاء
شأن العلم واهمال الفلسفة وخصوصا سيطرة الحروب على هذا القرن والتي فرضت
تطوراً للعلم وفرض على الفلسفة البحث في قيم هذا العصر ومشاكله ولا سيما وأن
الفلسفة مسالمة فقد فقدت بذلك أهميتها. وتفرعت العلوم أكثر فأكثر ( العلوم
الطبيعية: علم الأحياء النباتية، والحيوانية، والهندسة الوراثية…) وأصبح معيار
العلمية هو الكم لا الكيف والقياس لا الرأي، والملموس لا المجرد والعملي لا
النظري. وأصبحت الفلسفة مرادفاً لكل ما هو تقليدي، نظري، وغير فاعل. وهذا الخلل
بين العلم والفلسفة انعكس سلبا على المجتمعات المعاصرة. وهذا لا يعني ان العصر
الحالي كان خاليا من الفلاسفة بحيث ان كثير من علماء هذا العصر كانوا فلاسفة: (
بوانكاريه (رياضي) – ماخ وأينشتين (فيزيائيان) – راسل ووايتهد (رياضيان) - مدوّر(
طبيب) ). وهذا يبرهن أن الفلسفة حاجة مستمرة ولا مكان للدعوى بأنه يجب
اماتة الميتافيزيقيا الشريان الحيوي للفلسفة. خصوصا أنه للفلسفة أهمية كبرى في
الحقول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فبالرغم من انقسام العالم الى رأسمالي و
اشتراكي يبدو للوهلة الأولى سياسي و اقتصادي، ولكنه في الحقيقة هو انقسام فلسفي،
ثقافي بين نظريتين في تفسير التاريخ والمجتمع والتنمية.
وبتطور العلم أضاف
للفلسفة مسائل جديدة بحاجة
للبحث فلسفياً مثل قضايا الاستنساخ البشري وامكان وجود حياة خارج كوكبنا، ونتائج
هذه المسائل على المجتمع والقيم والأخلاق…
وهكذا تبدو الفلسفة
والعلم جزءان ضروريان لمشروع الانسان و الانسانية في غاياتها الراهنة والمستقبلية
وان اختلفت مناهجهما و أدواتهما. ولعل هذا الاختلاف طبيعي وضروري لقيام كل منهما
بوظيفته…
.jpg)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق